محمد بن زكريا الرازي

88

منافع الأغذية ودفع مضارها

واليابس ، فإنه بهذا التدبير يمكن أن يسلم من مضار الماء الحار . ولا يدع مع ذلك أن يبرده بجميع ما يقدر عليه من الرفع في الهواء بالليل ودفنه في النهار في السراديب « 1 » وفي وسط الرمل المبلول ، ونحو ذلك مما يقدر عليه ويتخذ له . وقد ذكرنا من دفع المضار الحادثة عن الماء المشروب بكثرته أو حره أو برده أو باستعماله في غير وقته ما كفى . وقد يحدث أيضا في الهضم ضرر وفساد بقلة شرب الماء ، وذلك لفقد العطش . وتدفع هذه المضرّة بأن يشرب الماء ، وإن لم يشته ، قدر ما كان يثقل إذا شرب ويمدد المعدة ، ثم ينبغي أن يتعالج بالقيء على ما ذكرنا حتى يزول هذا العارض ويحدث عطش معتدل يصاب به من الماء قدر الحاجة . وليس ينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يطالبنا بذكر الأسباب والعلل في كل موضع منه لأنّا قد ذكرنا أنّا توخينا أن نعدل عن ذلك إلى العلاج النافع نفسه ، ولأنّا لو ذهبنا نفعل ذلك لطال هذا الكتاب طولا مفرطا جدا وغرقت العلاجات النافعة وضاعت في خلال الكلام في الأسباب والعلل ، وذهب الانتفاع بها عمن ليس له غاية الدربة « 2 » في الصناعة وعن العوام « 3 » جملة إذا كانوا لا يجدونها متسعة منظومة بل مفترقة متبددة في خلال كلام ليس في وسعهم فهمه . فمن أجل ذلك ، صار هذا المسلك أنفع للجميع ، وذلك أنه يقف من فن أهل الصناعة على مطلوبه وقوفا سهلا لانتظام المعاني وترادفها ، فينتفع باستعماله ولا تضره قلة معرفته بعللها وأسبابها . وأما العالم الدرب « 4 » بالصناعة فنجمع له ذكره حتى يكون نصب عينه وذهنه وتصوّره لاختصار الكلام فيها وإيجازه ، وهو غني لعلمه بعللها وأسبابها عن إعادة القول فيها .

--> ( 1 ) السراديب : الممرات الضيقة والسرّية غير المكشوفة « أي تحت الأرض » . ( 2 ) الدربة : نقول درب بالشيء : اعتاده وخبره ، ورجل مدرّب بالتشديد هو الذي جربته الشدائد ودربته حتى قوي ومرن عليها . والدربة تدخل في هذا المعنى . والدّرب بالتشديد العارف المتقن لصناعته . ( 3 ) العوام : سواد الناس وليس خاصتهم . ( 4 ) الدرب : سبق شرحها في حواشي معنى ( الدربة ) في الصفحة ذاتها .